الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
16
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأسند الوجل إلى القلوب لأن القلب يكثر إطلاقه في كلام العرب على إحساس الإنسان وقرارة إدراكه ، وليس المراد به هذا العضو الصنوبري الذي يرسل الدم إلى الشرايين . وقد أجملت الآية ذكر اللّه إجمالا بديعا ليناسب معنى الوجل ، فذكر اللّه يكون : بذكر اسمه ، وبذكر عقابه ، وعظمته ، وبذكر ثوابه ورحمته ، وكل ذلك يحصل معه الوجل في قلوب كمّل المؤمنين ، لأنه يحصل معه استحضار جلال اللّه وشدة بأسه وسعة ثوابه ، فينبعث عن ذلك الاستحضار توقع حلول بأسه ، وتوقع انقطاع بعض ثوابه أو رحمته ، وهو وجل يبعث المؤمن إلى الاستكثار من الخير وتوقي ما لا يرضي اللّه تعالى وملاحظة الوقوف عند حدود اللّه في أمره ونهيه ، ولذلك روي عن عمر بن الخطاب أنه قال : « أفضل من ذكر اللّه باللسان ذكر اللّه عند أمره ونهيه » . وإذ قد كان المقصود من هذا الكلام حث المؤمنين على الرضى بما قسم النبي صلى اللّه عليه وسلم من غنائم بدر ، وأن يتركوا التشاجر بينهم في ذلك ، ناسب الاقتصار على وجل قلوب المؤمنين عند ذكر اللّه ، والوجل حالين يحصلان للمؤمن عند ذكر اللّه والحال الآخر هو الأمل والطمع في الثواب فطوى ذكره هنا اعتمادا على استلزام الوجل إياه ، لأن من الوجل أن يجل ، من فوات الثواب أو نقصانه . وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً . التلاوة : القراءة واستظهار ما يحفظه التالي من كلام له أو لغيره يحكيه لسامعه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ في البقرة [ 102 ] . وآيات اللّه القرآن ، سميت آيات ، لأن وحيها إلى النبي الأمّي صلى اللّه عليه وسلم وعجز قومه ، خاصتهم وعامتهم عن الإتيان بمثلها فيه دلالة على صدق من جاء بها فلذلك سميت آيات . ويسمى القرآن كله آية أيضا باعتبار دلالة جملته على صدق محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد تقدم ذلك في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير . وإسناد فعل زيادة الإيمان إلى آيات اللّه لأنها سبب تلك الزيادة للإيمان باعتبار حال من أحوالها ، وهو تلاوتها لاعتبار مجرد وجودها في صدر غير المتلوة عليه . وهذا الإسناد من المجاز العقلي إذ جعلت الآيات بمنزلة فاعل الزيادة في الإيمان . فإنه لما لم يعرف الفاعل الحقيقي لزيادة الإيمان ، إذ تلك الزيادة كيفية نفسية